*عبدالله بدوي*
يعتبر الخطاب السياسي أحد الأدوات الأساسية للتأثير على الجماهير وتوجيه الرأي العام، وقد لعب دورًا محوريًا في الحركات الوطنية والمقاومة.
في خطاب الحاج محمد عفيف مسؤول وحدة الاعلام المركزي في حزب الله الذي القاه اليوم في مجمع سيد الشهداء لمناسبة يوم شهيد حزب الله ، نجد استخدامًا متقنًا لعدد من استراتيجيات الاتصال والتأثير، التي تتناغم مع نظريات علم الاجتماع وعلم الاتصال.
هذا التحليل يهدف إلى استكشاف كيفية استثمار عفيف لمفاهيم التأطير، الاستمالة العاطفية، التأكيد الاجتماعي، ولغة الجسد، في بناء رسالة قوية ومؤثرة.
من خلال هذه القراءة، سنتناول تأثير تلك النظريات مثل نظرية إرفنج جوفمان في التأطير، ونظرية أرسطو في البلاغة، ونظرية الجاهزية الإدراكية لجون بورتون، والتي تم توظيفها بشكل فعّال لتوصيل الرسالة وتثبيت القيم التي تتبناها المقاومة، مما يعكس فهمًا عميقًا لآليات الاتصال والإقناع في السياق السياسي.
لتحقيق تحليل أعمق ومستند إلى المرجعيات العلمية والنظريات المعروفة في علوم الاتصال والاجتماع، سنحاول أن نربط بين خطاب محمد عفيف وبين أشهر النظريات العلمية، مع ذكر أسماء العلماء المساهمين في هذه النظريات وأبرز مقولاتهم، وذلك كالتالي:
البداية كانت تعريفا بالهوية التي ينتمي اليها، وقد ظهر ذلك من خلال الاستناد إلى القرآن والسنة كمصدر للعمق المعنوي:
وخير بداية القرآن الكريم: جاء في القرآن وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (آل عمران: 169). استخدم محمد عفيف هذه المفاهيم لتعزيز فكرة الشهادة وتقديمها كرمز للعزة.
السنة النبوية: حديث النبي ﷺ “خير الناس أنفعهم للناس” (رواه الطبراني) يتماشى مع خطاب عفيف الذي يركز على فكرة التضحية لخدمة الوطن، مما يعزز صلة الجمهور بالمقاومة وقيمها النبيلة
بناء الرسائل وفقًا لنظرية التأطير لـ إرفنج جوفمان
النظرية: إرفنج جوفمان في نظريته “التأطير” (Framing Theory) يشير إلى أن التأطير هو وسيلة لإيصال الرسائل بشكل يوجه تفسير الجمهور للأحداث. التأطير يساعد على تحديد الجوانب التي ينبغي التركيز عليها، وتلك التي يجب إغفالها، مما يؤثر في تشكيل الواقع لدى الجمهور.
التطبيق في خطاب عفيف: خطاب محمد عفيف يقوم بإعادة تأطير الصراع عبر تقديم المقاومة كمدافع عن كرامة الوطن والشعب وليس كطرف يبحث عن العنف، حيث يُظهر المقاومة كجهة ملتزمة بالعدالة والحقوق. هذا التأطير يبتعد عن الصور السلبية التقليدية ويُعزز انطباع الالتزام الوطني.
استراتيجية الاستمالة العاطفية بناءً على نظرية أرسطو في البلاغة
النظرية: في كتابه “البلاغة” (Rhetoric)، يشير أرسطو إلى ثلاثة أساليب إقناعية أساسية: الإثوس (Ethos) واللوغوس (Logos) والباتوس (Pathos). ويُعنى “الباتوس” بجذب العواطف لجعل الرسالة ذات وقع قوي على المستمعين.
التطبيق في الخطاب: استغل محمد عفيف عنصر “الباتوس” عند حديثه عن تضحيات الشهداء، مما استدعى مشاعر الفخر والفداء لدى الجمهور. ووفقًا لأرسطو، فإن استمالة العواطف هنا تزيد من تعاطف الجمهور وإلهامهم، وتحفز مشاعرهم لدعم القضية.
نظرية التأكيد الاجتماعي لـ هربرت كيلمان
النظرية: هربرت كيلمان يطرح في نظريته “التأكيد الاجتماعي” (Social Confirmation Theory) أن القادة يحققون دعمًا جماهيريًا عندما يظهرون ارتباطهم الوثيق بالمجتمع وقيمه المشتركة، مما يعزز من تأييدهم الجماهيري.
التطبيق في الخطاب: أكد محمد عفيف على علاقة الجيش بالمقاومة من خلال ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة”، مما يُعزز فكرة الوحدة الوطنية. وبهذا التأكيد، تصبح المقاومة جزءًا من الهوية الجماعية، ويزداد دعم المجتمع لها.
التوقيت وفق نظرية الجاهزية الإدراكية لـ جون بورتون
النظرية: يوضح جون بورتون في “الجاهزية الإدراكية” (Cognitive Readiness Theory) أهمية التوقيت المناسب في تحقيق التأثير، بحيث يتم إيصال الرسالة في لحظة يكون فيها الجمهور مستعدًا ذهنيًا ونفسيًا لتلقي المعاني.
التطبيق في الخطاب: خطاب عفيف جاء في يوم الشهيد، وهي لحظة جاهزية عاطفية قوية للجمهور، إذ يكونون في حالة معنوية تمجّد التضحية، مما يعمّق التأثير. فالتوقيت هنا يُفعل مشاعر الفخر ويزيد من عمق الرسائل التي تتحدث عن دور المقاومة.
لغة الجسد وفقًا لنظرية ألبيرت مهربيان في الاتصال غير اللفظي
النظرية: ألبيرت مهربيان يبين في نظرية الاتصال غير اللفظي أن 93% من تأثير الرسالة يكون عبر عناصر غير لفظية، حيث يعتمد 55% على لغة الجسد، و38% على النبرة، و7% فقط على الكلمات.
التطبيق في الخطاب: اعتمد عفيف على لغة الجسد من خلال حركات يديه ونبرته الواثقة، مما يعزز من صدق الرسالة ويعطي انطباعًا بالثبات. وفقًا لمهربيان، فإن هذه العناصر غير اللفظية تزيد من قدرة الجمهور على استيعاب الروح الحقيقية للخطاب.
الجانب النفسي وفق نظرية التحفيز الذاتي لـ ريتشارد ديسي وإدوارد ريان
النظرية: تطرح نظرية التحفيز الذاتي (Self-Determination Theory) من قبل ديسي وريان أن الحماس والتفاني يظهران بوضوح عندما تكون الدوافع داخلية وتتمثل في هويات مشتركة بين أفراد المجتمع.
التطبيق في الخطاب: عكس موقف عفيف في الخطاب حافزًا داخليًا قويًا، حيث لم يكن فقط ممثلاً للمقاومة بل كفرد من الشعب، مما أنشأ ارتباطًا عاطفيًا مع الجمهور، وشجع على تعزيز التضامن الوطني.
عبر الاعتماد على النظريات المذكورة، نجد أن خطاب محمد عفيف يجسد أساليب الاتصال الفعالة ويستند إلى إطار علمي في نقل الرسالة، من خلال تفعيل العناصر الدينية والوطنية واستخدام التوقيت ولغة الجسد لزيادة التأثير.
ختامًا، يتضح من خلال هذا التحليل أن خطاب محمد عفيف لم يكن مجرد كلمات عابرة، بل تضمن أساليب دقيقة ومحكمة تنسجم مع نظريات الاتصال الاجتماعي والنفسي. فقد تم توظيف التأطير لإعادة تشكيل الصورة الذهنية للمقاومة، والاستمالة العاطفية لتعزيز التعاطف الشعبي، والتأكيد الاجتماعي لتقوية الروابط الجماعية، ولغة الجسد لتجسيد الثقة والمصداقية. كما أظهر الخطاب فهمًا استراتيجيًا للتوقيت المناسب،والمكان المناسب مما ضاعف من تأثير الرسائل المقدمة. هذا التفاعل بين النصوص والنظريات يؤكد أن الخطاب كان مدروسًا ليكون وسيلة فعالة لتعزيز التماسك الوطني والإيمان بالمقاومة كقيمة مشتركة تتجاوز الحواجز الاجتماعية والثقافية، ليُظهر بذلك كيف يمكن للخطاب السياسي أن يصبح أداة للتأثير الإيجابي والبناء على المستوى الجماهيري.





